محمد كرد علي
149
خطط الشام
مرفأ يافا : خربت مدينة يافا في الحروب الصليبية فأضحت عبارة عن قرية تتألف من بضعة بيوت . وقد بدأت في التجدد أواخر القرن السابع عشر . وكان المرفأ إذ ذاك غير صالح لإرساء السفن كما هي حالته لهذا العهد . ولذلك كانت ترسي السفن الفرنسية في مرفأي عكا وصيدا . وحصنت يافا في القرن الثامن عشر وأخذت تزداد عمرانا إلى أن جاء نابليون في سنة ( 1799 ) . وقد ازدادت مكانتها وكثر عدد سكانها لعهدنا ، وذلك لقربها من القدس ومرور الخطوط الحديدية منها ومهاجرة اليهود والألمان إليها ، وكان جماع هذه الأسباب العامل الكبير في تقدم هذه المدينة . ومضت أدوار كانت كلمة الذهاب إلى يافا تدل عند الغربيين على عمل خطر . حتى إن بعض التجار كان يراهن الراحلين إلى الأراضي المقدسة على ثرواتهم بمعنى أن المسافر يقبض ما يعادل ثروته من التاجر الذي راهنه إذا عاد إلى أرضه سالما . كما أن المسافر يترك ثروته لهذا التاجر إذا لم يعد إليها . وهذا مما يدل على أن الخطر في دخول السفن هذا المرفأ كان قاب قوسين أو أدنى . وكانوا يعتقدون أن احتمال حدوث الخطر أكثر من السلامة . وتحسنت الحال قليلا منذ ذلك العهد ، ومع هذا لم يزل تفريغ السفن في ساحل يافا من الأمور الصعبة الخطرة . إن مرفأ يافا صغير وقليل العمق وهو مسدود بخط من الصخور البارزة عن سطح الماء وليس له سوى مدخل صغير بين الشمال والشمال الغربي من المدينة . وقد وقع توسيع هذا المدخل بالنحت ونسف الصخور بالمفرقعات وهناك ممر آخر في جهة الشمال في عرض 200 متر ليس بصالح للانتفاع لما يطمه من طبقات الرمل . وهذه الصخور الممتدة من الساحل إلى عرض البحر هي بمثابة سد طبيعي تكون في طول 300 متر . ويكوّن من هذا السد ملجأ أمين للسفن الصغيرة الحجم ، ولكن قعر البحر يرتفع يوما فيوما لتكوّن جنس من الحجر المركّب من الرمل والأصداف بواسطة نوع من الملاط المترسب من الماء ، فليس ثمت عمق يزيد على الخمسة أمتار إلا بعد 500 متر من الساحل بحيث لا تتمكن البواخر الضخمة من الإرساء إلا بعيدة عن